السيد حيدر الآملي
173
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
أمّا المراد بقوله : فطر الخلائق بقدرته ، فاعتباره من حيث استناد المخلوقات إلى قدرته ووجودها ( عنها ) ، ولمّا كانت حقيقة الفطر الشقّ في الأجسام كانت نسبته هاهنا إلى الخلق استعارة . وللإمام فخر الدّين الرّازي ( 75 ) في بيان الاستعادة في أمثال هذا الموضع بحث لطيف ، قال : « وذلك أنّ المخلوق ( 76 ) قبل دخوله في الوجود كان معدوما محضا ، والعقل يتصوّر من العدم ظلمة متّصلة لا انفراج فيها ولا شقّ ، فإذا أخرجه الموجد المبدع من العدم إلى الوجود فكأنّه بحسب التخيّل والتوهّم شقّ ذلك العدم وفطره وأخرج ذلك الموجود منه » . قلت : إلَّا أنّ ذلك الشقّ والفطر على هذا التقدير لا يكون للموجود المخرج بل للعدم الَّذي خرج هذا الموجود منه ، اللَّهم إلَّا على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه حتّى يكون التقدير الَّذي فطر عدم الخلائق ، وهو استعمال شائع في العرف والعربيّة كثيرا ، وحسنه بين النّاس ظاهر ، ومثله :
--> ( 75 ) قوله : فخر الدّين الرّازي . الرّجل هو محمّد بن عمر بن حسين بن حسن بن علي ، المعروف بالإمام فخر الرّازي الخطيب ، ويقال له : ابن الخطيب الرّي أيضا ، وكان اشعريّ الكلام وشافعي الفقه . له كتب كثيرة ، منها : مفاتيح الغيب المعروف بالتفسير الكبير ، ولد في مدينة ري في اليوم الخامس والعشرين من شهر المبارك رمضان سنة 544 أو سنة 543 ه ، وتوفّي في مدينة هرات في اليوم الاثنين ، الأوّل من شهر شوّال المكرّم ( يوم الفطر ) سنة 606 ه ودفن فيها . ( 76 ) قوله : قال : وذلك أنّ المخلوق . ذكره الإمام فخر الدين الرّازي في تفسيره الكبير ج 13 ، ص 88 ، في سورة الأنعام الآية : * ( إِنَّ اللَّه َ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ) * [ الأنعام : 95 ] . مع تفاوت يسير في اللَّفظ .